محمد بن عبد الله الصفار

141

رحلة الصفار إلى فرنسا

فرانسا كلها حرم لا تهتك ولا يتعدى أحد على ملك آخر « 1 » . ومن فعل عوقب عقوبة معلومة عندهم لا شفاعة فيها ، ولا يقدر أحد أن يدفعها عنه . وقد رأينا في بعض الطريق زربا « 2 » صغيرا فاصلا بين الطريق والملك ، فأخبرنا بعض من كان معنا أنه علامة على الحد بين الملك والطريق ، فمن تخطاه برجل واحدة سجن خمس سنين ، ومن وقع خلفه بكله سجن خمسة عشرة سنة . ولذلك لا تجد عندهم إنسانا ولا دابة هائمة في ملك أحد ولو كانت أرض مرعى ، فإنما يتصرف فيها ربها لا يشاركه فيها غيره . مع أن ماشيتهم لا تسرح إلا نادرا ، واعتمادها إنما هو على العلف . وكل أحد يزرع في ملكه ما يقضب للعلف والأكل طول السنة يعمله لنفسه أو للبيع ، ولم نر عندهم مراعي ينبت فيها الكلأ وحده كما عندنا بالمغرب . ومن استفادة أشجارهم المذكورة الخشب العظام التي تصلح للأعمال والأبنية ، والورقة التي يصنع بها الأبواب والصناديق ، وغير ذلك مما يصنع من الخشب كالمراكب والفلائك وصواريها وغير ذلك . ويحتالون على الشجرة من صغرها حتى تطلع مستقيمة وتكون عمودا واحدا ، فتصلح للصواري ونحوها . واحتياجهم في البناء للخشب أكثر من غيره ، لأن الفصل بين البيوت إنما يكون بالخشب المطلية بأنواع الأطلية لا يعرف أنها خشب إلا بعد التأمل ، ولا يبنون بالحجارة إلا الجدرات الخارجية . ولهم في غرس هذه الأشجار التي في البراري ترتيب وتصفيف عجيب في غاية

--> - - مدلول المصطلحين ؛ فيعتبرون الشريعة مجمل القوانين السماوية الثابتة ، بينما يدخلون في إطار « القانون » مختلف التقنيات التنظيمية القابلة للتغيير والتي وضعها بنو الإنسان ، حتى تكون قابلة لمسايرة المستجدات بصفة عامة ، وليس هناك أي تناقض بين الاثنين وإن كانت مصادرها الأصلية مختلفة تماما ، انظر : A . Hourani , " Aspects of Islamic Culture : Introduction " , in Naff and Owen , Studies , pp . 266 - 267 . ( 1 ) لاحظ الصفار غياب الأراضي الجماعية التي يسمح فيها لعامة الناس برعي ماشيتهم وجمع العلف لفائدتها ، كما كان معهودا وقتئذ في البوادي المغربية . ( 2 ) « الزرب » ، وهي أغصان شائكة تستعمل سياجا للحقول والممتلكات الخاصة ، أو وسيلة لحصر الماشية في البوادي ومنعها من التنقل . انظر : 584 : 1 Dozy ( المعرب ) .